السيد محمد حسين فضل الله

239

من وحي القرآن

ونحن نرى أنّ الحديث القرآني يركّز في بعض آياته على نقاط الضعف لدى الأنبياء ، كما يركّز على نقاط القوة عندهم ، من موقع بشريتهم التي يريد أن يركّزها في التصوّر القرآني في أكثر من اتجاه . فهل نريد أن ندخل في مزايدة كلاميّة على القرآن في ما يتعلق بمثل هذه الأمور ، فنفرض لأنفسنا تصورات معينة للأنبياء ، ثم نحاول تأويل كلام اللَّه بطريقة لا يتقبلها النص في بعض الأحيان ؟ ! إنّنا نفهم التأويل حملا للّفظ على خلاف الظاهر ، على أساس المجاز أو الكناية أو ما يقترب منهما ، ولا بد للخروج من الظاهر أن يكون هناك دليل لفظيّ أو عقليّ حتى نصرف اللفظ عن الظاهر من خلاله . ولا نجد شيئا من ذلك في موضوع هذه الآية ، فليس هناك مانع من إرادة النظر بالمعنى الحسّي في ما طلبه موسى ، بل هو الظاهر الواضح جدا في أجواء الآية من خلال التجربة التي قدّمها اللَّه أمامه ، في ما تعطيه كلمة التجلّي من أجواء استحالة الرؤية البصرية في ما وجّهه اللَّه للجبل من نوره الذي لا يستطيع الجبل أن يتماسك معه ، فكيف لو كان التجلّي له عليه السّلام ؟ ثم لو كان المراد الرؤية القلبية ، لما كان هناك وجه قريب لهذه التجربة في انهيار الجبل ، في ما تعطيه من معنى ماديّ للمسألة ، لأنّ الجبل لا يحمل أيّة إشارة للجانب القلبي في الموضوع في تأثّره بنور اللَّه . * * * الله يتجلى للجبل فيتهاوى قالَ لَنْ تَرانِي ، لأنّ الرؤية لا تكون إلّا للمحدود الذي يحمل خصائص مادية ، وذلك يستحيل بالنسبة إلى اللَّه الذي لا تدركه الأبصار وليس كمثله شيء . وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي . إنّها التجربة التي تعطي لموسى فكرة توضيحية للمسألة المطلوبة ، ولكن من جانب آخر ، أراد اللَّه له أن ينظر إلى هذا الجبل العظيم ، وهو يتهاوى قطعة قطعة حتى